بحث هذه المدونة

الجمعة، 20 سبتمبر 2024

من ذكريات الصبا والصيف بقلم محمود حرشاني

 من ذكريات الصبا والصيف

بقلم محمود حرشاني






كلما حل فصل الصيف بحراراته التي لا تطاق تذكرت اشياء ؤجميلة بقيت راسخة بالذاكرة من ايام الطفولة في قريتنا البعيده.. هناك في قرية الواعرة التي تسند ظهرها لسلسلة جبال الظاهر التي تقف فاصلا بين قريتنا وقرية حاسي الفريد التابعة لولاية القصرين..ووتعالى في شموخ وكبرياء فهي الجارة الشرعية لجبل سيدي عيش الاشم الذي شهد اعنف واخر المعارك الوطنية والحق فيه المقاومون والمجاهدون كما تقول جدتي زعرة رحمها الله جيش المستعمر هزيمة نكراء.. فقد كانت معركة حمي فيها الوطيس ودامت ثلاثة ايام وكبد فيها الثوار جيش الاستعمار خسائر فادحة في الارواح والمعدات فاندحر خائبا ململما هزيمته..
تروي لي جدتي كيف كانت // الطانقوات // وسيارات الجيش تعبر قريتنا في سرعة جنونية ذهابا وايابا طيلة ايام المعركة لايصال المدد او لنقل الجرحى والموتى ..
يا لقريتنا الصامده كم عرفت من معارك ولا يوجد منزل في قريتنا لم ياوي يوما المجاهدين والثوار..كان الثوار كما تسميهم جدتي و الذين يتحصنون بالجبال المحيطة بقريتنا يرسلون احدهم الى من يختارونه من السكان ويقولون له // عشاء الثوار عندك الليلة //فيهب كل سكان القرية لمساعدة صاحب المنزل لاعداد وجبة طعام الثوار في كنف السرية بدءا من ذبح خروفين او شاة كبيرة واعداد قصاع الكسكسي وورقائق الكسرة ومرقة الدجاج العربي حتى اذا جن الليل بدا الثوار يتوافدون على المنزل على دفعات ويتركون دائما من يقوم بحراسة المنزل والتنبيه عند الضرورة..
اكتسبت قريتنا صفة القرية المناضلة..
وهي بهذا فخورة ويفخر بهذا ابناؤها ايضا واردا عن تالد..
الصيف في قريتنا له نكهته الخاصة..فهو موسم جني المحاصيل الزراعية بعد جني محاصيل القمح والشعير وتكديس المحاصيل في البيدر وما الن ينتهي الفلاحون من جمع المحاصيل حتى يبدا موسم فصل القمح والشعير عن التبن وهو يوم مشهود في تاريخ القرية.وعادة ما يكون صاحب النورج الذي يقوده فرسان قد ضبط قائمة في اسماء الفلاحين..ويفرح الاطفال بقدوم النورج فهم يتقربون الى صاحب النورج بالهدايا ليركبهم في النورج وهو يدور على البيدر لدك اكمام سنابل القمح او الشعير ليفصل حبوب القمح عن التبن.. وكثيرا ما كنا نتساقط لاننا لا نستطيع ان نضبط انفسنا فنقع من النورج على البيدر وقد كسته سنابل القمح..
ثم ياتي بعد ذلك موسم جنى محاصيل اللوز فيكون فرصة لنا نحن اطفال القرية لنجمع بعض المال مقابل اشتغالنا مع الفلاحين في جمع المحاصيل وحفصل حبات اللوز عن القشرة الخارجية بعد ذلك وهو عمل مظز .. كثيرا ما كنت اتهرب منه..وكان والدي يقول لي انك لا تريد ان تشتغل كما يشتغل اندادك. ..فكانت والدتي تجيبه .ابني لم يخلق ليشتغل مقابل كمشة لوز يسلمها له الفلاح بعد عمل مظن..
كنت اقضي وقتا طويلا في في حقظ القران حتى حفظت الربع وانا لم ابلغ بعد السادسة من العمر فاقامت لي والدتي وجدتي حفلا.واذكر انني كنت امر على المنازل مستظهرا بلوحتي وقد ختم عليها مؤدب القرية انني حفظت ربع القران..فتح لي ذلك مجال المطالعة فكنت اقرا كل ما يفع بين يدي من كتب عمي وما هو موجود في كراريسه من قصائد واشعار ونصوص..اذكر انني قرات قصائد الشابي الصباح الجديد واشعار صفي الدين الحلي وعلى جرزلله ونصوص المنفلوطي وعبد القادر المازني وطه حسين.. ولما اشترى لنا الوالد اول جهاز راديو واذكر انه كان من نوع فيليبس اتخذته صديقي ورفيقي وشغفت بالاستماع الى الاذاعات ومراسلتها.حتى كونت اول ناد لمستمعي اذاعة برلين العالمية في قريتنا.. ويا لفرحتنا ونحن نستمع الى اذاعة برلين تعلن بعد ايام عن تاسيس نادينا وتذكر اسماءنا نحن اعضاء النادي..

القرية وعودة الهطايا والنجاح في السيزيام

 بقلم محمود جرشاني



من المشاهد التي بقيت راسخة بذاكرتي ..مشهد عودة الهطايا الى القرية بعد ان يكونوا قد قضوا اشهرا في مدن الشمال الغربي..فقد كنا نترقب عودة الهطايا بفارغ الصبر وكنا صغارا نصعد فوق السطوح لنرى قافلة الهطايا قادمة من بعيد وتاخذنا الحماسة احيانا فينقطع مسافة على الأقدام لنكون في استقبال القافلة.. وكيف لا نفعل ذلك وفيهم الاب والام والجدة والأقارب.. لقد كانت القرية تخلو من سكانها ولا يبق فيها الا كبار السن وباقي السكان يشدون الرحال الى // افريقية // حيث مواطن الخصب وعادة ما تبتدء الرحلة من اواسط شهر ماي لتتواصل الى اواخر شهر جويلية..
في تلك السنة  كنت في السنة السادسة من التعليم الابتدائي وسوف اجتاز في شهر جوان مناظرة الدخول الى السنة الاولى من التعليم الثانوي.. الوالد والوالدة وجدتي وعماتي كلهم ذهبوا مع الهطايا وبقيت في المنزل مع جدي وعمتي الصغيره..
قالت لي الوالده رحمها الله وهي تحضنني فجرا قبل انطلاق قافلة الهطايا
- لا تنسى ان تعلمنا بنجاحك
كنا في بداية شهر جويلية وكان دكان الحاج صالح هو المكان الذي يلتقي فيه الجميع.اتذكر ذلك اليوم جييدا لما قدم احد الاصدقاء وهو زميل في الدراسة يجري من بعيد وهو يردد اسم والدته ويقول لها بصوت عال انه نجح  وهو الناجح الوحيد اما بقية ابناء القرية ممن اجتازوا  الامتحان فقد فشلوا.. وطل يردد هذا الى ان وصل الى الدكان فساله جدي وكان متاكدا من نجاحي لاني كنت من بين الثلاث الاوائل في القسم . وهل نجح محمود
فاجابه
-لا ..لم ينجح احد سواي
نظر الي جدي بامتعاظ وكانه يستحثني على التثبت وقبل ان ينطق بكلمة انطلقت كالسهم باتجاه المدرسة ليعترضني في الطريق الزميلان عبد المجيد العبدلي وذياب بن سويسي وكنا في نفس القسم ليعلماني  بانني نجحت وترتيبي الثاني في المدرسة في قائمة الناجحين وكنا عشرة تلاميذ قد نجحنا من بين 40 تلميذا اجتزنا المناظرة.
كان يهمني ان اعود الى الدكان قبل ان يتفرق الجماعة لارد اعتباري فقد كان الجميع مؤمنا بنجاحي...لا اعرف كم قطعت من مسافة ولكن اتذكر اني لم اتوقف الا عندما وصلت الى الدكان واعلمت الجميع انني الناجح الوحيد من ابناء القرية.
اعلم جدي الجميع بانه سيقيم وليمة عشاء فرحا بنجاحي في المناظرة في اليوم الموالي .
اشترى جدي شاة بثلاثة دنانير بفضل بركات التعاضد حيث لم يكن ثمن الشاة يتجازو الخمسة دنانير في افضل الحالات
ومن الغد بدانا باكرا في اعداد وليمة العشاء للمدعوين من ابناء القرية
كم كانت رائعة تلك الايام

كتب واصدارات وتتويجات الكاتب التونسي محمود حرشاني

 




مشاركات حديثة